السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

278

مفاتيح الأصول

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسّلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين باب الأفعال والتأسي قال اللَّه تعالى ولكم في رسول اللَّه أسوة حسنة اعلم أن فعل النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم إن كان بيانا للمجمل مطلقا اعتبر على جهة المبين فإن كان بيانا لمجمل واجب عام لنا كان على الوجوب في حقنا أو المندوب كذلك كان في حقنا كذلك أيضا وعليه ادعى الإجماع جماعة منهم العلامة قال بعض المحققين والأصح أنه لا يدل على وجه الفعل بمجرده بل هو تابع للمبين وحينئذ يكون بيانا لصفة الفعل لا لوجهه وإن لم يكن بيانا ولم يعلم اختصاصه صلَّى اللَّه عليه وآله به كوجوب الوتر وكان شرعيا لا جبليا لأنه مباح له صلَّى اللَّه عليه وآله ولأمته بلا خلاف ولم يعلم أيضا خصوص الوجه الذي وقع عليه من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة وأما احتمال الحرمة فمنتف بعصمته صلَّى اللَّه عليه وآله فاختلفوا فيه فقال ابن شريح كما عن أبي هريرة وخيران وأبي سعيد الأصحري وجماعة من المعتزلة ومالك والرازي يدل ذلك على الوجوب في حقنا وقال الشافعي يدل على الندب في حقنا وقال مالك يدل على الإباحة وقال العلامة والحاجبي والبيضاوي ويدل على النّدب إن ظهر قصد القربة وإلا فالإباحة وقال العلامة في موضع آخر يدل على الرّجحان المطلق إن كان الأول وعلى الجواز كذلك إن كان الثاني وقال في المعارج والأولى التوقف وهو المحكي عن المرتضى والصيرفي والغزالي وجماعة من أصحاب الشافعي والتحقيق أن يقال إن فعله صلَّى اللَّه عليه وآله إمّا أن يعلم عدم اختصاصه به أو لا وعلى التقديرين إما أن يظهر منه قصد القربة أو لا فإن كان الأول وظهر منه قصد القربة فلا يدل بمجرده إلا على الرجحان المشترك بين الواجب والندب ولكن إن قام دليل من الخارج على أحد الفصلين فهو وإلا فالحكم الظاهري بالنسبة إلينا الاستحباب لتيقن الرجحان والأصل عدم الوجوب فالقائل بكونه للاستحباب إن أراد ما ذكرنا كما هو ظاهر كلام بعض فما قاله حق وإن أراد أن الفعل بمجرده يدل على الاستحباب بحيث لو قام دليل من الخارج على كونه للوجوب كان معارضا فما قال لا يخلو عن إشكال من عدم دلالة الفعل ومن كون الغالب في أفعاله الاستحباب لكن الإنصاف أن دعوى الغلبة لا يخلو عن إشكال وإن كان الأول ولم يظهر منه ذلك فلا يدلّ إلا على مجرد الجواز لكن الكلام كما سبق وإن كان الثاني فلا يدل على حكم في حق أمته صلَّى اللَّه عليه وآله لأن الأصل عدم الاشتراك ولا بدّ لهم من الرجوع إلى الأصول والأدلة الخارجية اللَّهم إلا أن يعارض بغلبة الاشتراك فإن جعلناها كان اللازم الحكم بالاشتراك وإلا فلا احتج القائلون بالوجوب بوجوه منها قوله تعالى فليحذر الَّذين يخالفون الآية والأمر حقيقة في الفعل والقول المخصوص والمشترك ينزل على معانيه ولو منع فغاية الأمر الإجمال ومقتضى التكليف بالمجمل الإتيان بجميع محتملاته تحصيلا لبراءة الذّمة عما اشتغلت به والتحذير عن المخالفة يقتضي وجوب الموافقة وهي في الفعل الإتيان بمثله صورة وفيه نظر للمنع من كون الأمر حقيقة في الفعل بل هو حقيقة في القول لا غير وعليه أكثر الأصوليين فلا يحمل إلا عليه مجرّدا عن القرينة سلمنا الاشتراك لكن المشترك لا ينزل على معانيه في إطلاق واحد من غير قرينة كما هو المشهور بل اللازم حمله على أحدها والقول مراد هنا قطعا لدلالة قوله تعالى ولا تجعلوا دعاء الرسول الآية فالفعل غير مراد وإلا لكان منزلا على معانيه وقد بيّنا فساده سلمنا أنه ينزل على معانيه كما عليه بعض الأصوليين لكن النّهي عن مخالفة الفعل إنما يتوجه إذا علم وجوبه لا مطلقا لأن المخالفة في الفعل كما صرّح في العدّة والمعارج والنهاية هي العدول عن مثله إذا وجب وإلا لم يسمّ العادل مخالفا ولذا لا يقال للحائض إنها مخالفة للنّبي صلَّى اللَّه عليه وآله في ترك الصّلاة سلمنا صدق المخالفة ولو لم يعلم الوجه